المجلس التشريعي الانتقالي بين الضرورة الدستورية ومخاطر اللحظة بقلم: د. حسين عمر عثمان – وجهة نظر
أخباركم نيوز

المجلس التشريعي الانتقالي بين الضرورة الدستورية ومخاطر اللحظة
بقلم: د. حسين عمر عثمان – وجهة نظر
أخباركم نيوز
يتداول في الأوساط السياسية والصحفية نقاشٌ حول تشكيل مجلس تشريعي انتقالي في السودان، بوصفه أحد ملامح استعادة مؤسسات الدولة في المرحلة الانتقالية. وينطلق هذا النقاش من حالة القلق العام إزاء الفراغ الدستوري، ويعكس رغبة في إيجاد أطر تضبط القرار السياسي وتحدّ من تمدّد حكم الأمر الواقع. غير أن طرح فكرة المؤسسات الانتقالية في هذا التوقيت يفرض ضرورة التوقف عندها بقدرٍ عالٍ من الحذر، ليس فقط من زاوية الحاجة الموضوعية، بل أيضًا من زاوية المخاطر الكامنة في التوقيت، والشرعية، والتمثيل، وحدود الدور. في الدول التي تشهد حروبًا أهلية أو نزاعات داخلية، لا تُطرح مسألة المؤسسات الانتقالية بوصفها خيارًا نظريًا أو ترفًا سياسيًا، بل كاستجابة اضطرارية لواقع الفراغ الدستوري والسياسي واختلال ميزان السلطة. غير أن هذه الضرورة، على مشروعيتها، لا تعني أن إنشاء مؤسسات انتقالية، وعلى رأسها المجلس التشريعي، خطوة خالية من المخاطر، خاصة حين تُطرح في ظل حرب لم تنتهِ، وانقسام اجتماعي، واختلافات بين المكونات السياسية. في الحالة السودانية، تتضاعف حساسية هذا النقاش؛ فالحرب الجارية ليست حدثًا عابرًا أو طارئًا، بل نتيجة تراكم طويل لأزمات بنيوية في بنية الدولة نفسها، حيث اختلطت السلطة بالدولة، وتآكل العقد الاجتماعي، وضعفت المؤسسات المدنية، وتعمّق الشك المتبادل بين القوى السياسية، إلى جانب التركات الثقيلة للنظام السابق. ومن هنا، يصبح السؤال عن المجلس التشريعي الانتقالي سؤالًا مركّبًا: هل هو ضرورة لسدّ الفراغ ومنع الانفلات، وتوفير الحدّ الأدنى من الرقابة على الجهاز التنفيذي؟ أم مخاطرة قد تفتح بابًا جديدًا للصراع السياسي، وتفكيك التماسك الشعبي المطلوب لمواجهة الأزمة الوجودية التي تمر بها البلاد؟ من الناحية الدستورية، لا يمكن إنكار أن غياب أي سلطة تشريعية يترك المجال مفتوحًا لحكم الأمر الواقع، ويُضعف مبدأ الرقابة والمساءلة، ويحوّل القرارات المصيرية الكبرى إلى أفعال تنفيذية أحادية بلا سند قانوني جامع. كما أن استمرار إدارة الدولة دون إطار تشريعي، ولو مؤقتًا، يكرّس حالة (اللادولة) ويعمّق أزمة الشرعية. ومن هذا المنطلق، يبدو المجلس التشريعي الانتقالي، نظريًا، أداة ضرورية لضبط السلطة، وتقنين المرحلة، ومنع الانزلاق الكامل نحو الفوضى، والمشاركة في اتخاذ القرارات العامة ذات الأثر الوطني. غير أن الانتقال من هذا المنطق النظري إلى الواقع السوداني يكشف عن محاذير لا يمكن القفز فوقها. فأي مجلس تشريعي يُنشأ في ظل استمرار الحرب سيواجه، منذ لحظة تكوينه، سؤال الشرعية والتمثيل: من يملك حق الجلوس تحت قبة هذا المجلس؟ ومن يمثّل المجتمع فعلًا في ظل النزوح الواسع، والانقسام الاجتماعي، وتعطّل الحياة السياسية الطبيعية؟ وفي مجتمع منقسم ومأزوم، قد تتحول آليات التمثيل من وسيلة تنظيم إلى مصدر صراع، ومن أداة لإدارة الاختلاف إلى آلية لإعادة إنتاج الاستقطاب.في المقابل، فإن الامتناع الكامل عن إنشاء أي مجلس تشريعي لا يبدو خيارًا أقل خطورة. فغياب هذا الجسم يترك السلطة التنفيذية دون رقابة، ويُبقي التشريع في يد قرارات فوقية، ويُطيل أمد الاستثناء، ويؤسس لإدارة الدولة بلا أطر قانونية واضحة. وهنا تتجلى المعضلة الحقيقية: السودان لا يقف أمام خيار مثالي، بل أمام مفاضلة صعبة بين مخاطر إنشاء مجلس تشريعي في بيئة غير مكتملة، ومخاطر ترك الفراغ الدستوري مفتوحًا بلا ضابط.من هذا المنطلق، فإن التفكير في مجلس تشريعي انتقالي – إن تم – يجب أن ينطلق من منطق تقليص الضرر لا تحقيق الكمال. أي مجلس من هذا النوع لا بد أن يكون محدود الصلاحيات زمنيًا ووظيفيًا، مرتبطًا بشكل صريح بمرحلة انتقالية قصيرة، وممنوعًا من الخوض في قضايا الدستور الدائم أو إعادة تشكيل النظام السياسي. كما ينبغي أن يقوم تمثيله على أسس مرنة تتجاوز المحاصصة الحزبية، لصالح تمثيل الأقاليم، والأكاديميين، والكفاءات المستقلة، ومنظمات المجتمع المدني، بما يعكس الحدّ الأدنى الممكن من التعدد دون ادعاء تمثيل كامل لمجتمع منقسم. كذلك، يجب تجنّب التسرع أو التوسع في تشكيل المجلس، وأن يخضع لمعايير شفافة قائمة على الكفاءة والسير الذاتية الواضحة، بما يضمن مردودًا وطنيًا متوقعًا. ويُفضّل أن يكون العمل فيه على أساس التطوع أو التبرع دون مقابل أو مخصصات، حتى لا يتحول إلى موضع أطماع، بل إلى خدمة عامة للوطن في ظرف استثنائي بالغ الصعوبة. فالمؤسسات الانتقالية، في جوهرها، ليست غاية في ذاتها، بل أدوات مؤقتة لإدارة الهشاشة. ونجاحها الحقيقي لا يُقاس بطول بقائها، بل بقدرتها على وضع المسارات الكبرى لعودة البلاد إلى وضعها الطبيعي، والتمهيد لتسليم السلطة إلى مؤسسات شرعية ودائمة بأقل كلفة سياسية واجتماعية ممكنة.في السودان، لا يكمن الخطر الأكبر في فكرة المجلس التشريعي الانتقالي بحد ذاتها، بل في سوء تقدير التوقيت، أو تضخيم الدور، أو تجاهل المحاذير. فمؤسسة أُنشئت لسدّ الفراغ الدستوري قد تتحول، إن أسيء تصميمها أو توقيتها، إلى فراغ سياسي أعمق، وربما إلى صراع جديد بثوب قانوني. ومن هنا، فإن الحكمة لا تكمن في التسابق نحو بناء المؤسسات، بل في بناء الحدّ الأدنى الضروري منها، بوعيٍ صارم بحدود المرحلة. وفي لحظات الانتقال، لا يكون التحدي في البناء السريع، بل في البناء المسؤول. فالسودان اليوم لا يحتاج مؤسسات كثيرة، بل مؤسسات محسوبة، لأن الانتقال ليس لحظة انتصار، بل امتحان مسؤولية.
من قسوة الغياب إلى حضن السودان: تجوا بالعافية بقلم: د. حسين عمر عثمان – وجهة نظر






